عماد الدين خليل
231
دراسة في السيرة
لبيع ما معهم من البر . . وكان عملاء بني أسد من الغساسنة يقيمون بوسط مكة ، أي بالقرب من الكعبة ، ولكن أكثر أولئك النصارى كانوا يقيمون بالضواحي « 1 » . ولا ريب أن إيراد قصة ولادة يحيى وعيسى وإنكار ألوهية عيسى مما يوحي بأن أكثر المخاطبين من أهل الكتاب كانوا نصارى ، ثم أن خبر انهزام الروم والبشرى بفوزهم مما يدل على ذلك أيضا . . وتلهم الآيات القرآنية أن النبي قد اتصل بهؤلاء النصارى ودعاهم إلى التصديق برسالته ، وإن كان منهم من كان ذا سعة في المال يمكنه من الإنفاق في سبيل الخير ، وأن منهم من كان قوي الشخصية والنفس بحيث لا يبالي بلوم المشركين ، وأن منهم من كان متميزا بثقافته الدينية بحيث كان أهلا للرجوع إليه والاستشهاد به في أمر الرسالة « 2 » . وكان القرآن الكريم منذ الوقت المبكر من العهد المكي يؤكد - وظل على ذلك في مختلف أدوار التنزيل - على وحدة المصدر الذي صدر عنه القرآن والكتب السماوية ووحدة الأهداف والمبادئ التي تضمنها القرآن وتلك الكتب ، وتأييد القرآن والنبي صلى اللّه عليه وسلم للأنبياء السابقين والكتب السابقة ، والتنويه بهم ، واستشهد ، وظل يستشهد ، بأهل الكتاب على صحة رسالته النبوية والتنزيل القرآني بأسلوب يلهم استعدادهم للشهادة الإيجابية ، والثقة بهم والاعتماد عليهم فيها ، كما يلهم طبيعة وتوقع استجابتهم للدعوة الإسلامية واندماجهم فيها ونصرها وتأييدها « 3 » . ولم يخف محمد عطفه على النصارى ، والقرآن مملوء بالشواهد على
--> ( 1 ) درمنغم : حياة محمد ص 125 - 126 . ( 2 ) الشريف : مكة والمدينة ص 232 - 233 . ( 3 ) انظر : سورة المدثر : الآية 31 ، سورة الأعلى : الآيتان 18 - 19 ، سورة الأعراف : الآيتان 156 - 157 ، سورة فاطر : الآيتان 31 - 32 ، سورة يونس : الآيتان 37 ، 94 ، سورة يوسف : الآية 111 ، سورة الأحقاف : الآية 12 ، سورة طه : الآية 133 ، سورة الشعراء : الآية 197 ، سورة الأنعام : الآيات 20 ، 84 - 90 ، 92 ، 114 ، سورة غافر : الآيتان 53 - 54 ، سورة الشورى : الآية 13 ، سورة الأنبياء : الآيتان 7 ، 93 ، وانظر سور : الفجر ، القمر ، ص ، الأعراف ، يس ، مريم ، طه ، الشعراء ، النحل ، القصص ، يونس ، هود ، يوسف ، الحجر ، الأنعام ، الصافات ، سبأ ، غافر ، الزخرف ، الدخان ، الذاريات ، نوح ، إبراهيم ، الأنبياء ، المؤمنون ، حيث ترد قصص أنبياء أهل الكتاب وأحوالهم الخاصة وسيرة أقوامهم معهم ، مما يتطابق قليلا أو كثيرا مع ما ورد في كتب أهل الكتاب وما فيها من ثناء على هؤلاء الأنبياء ودعوة للتأسي بهم واحترامهم ، مما يتضمن معنى التساوق والاتحاد والتطابق بين القرآن والكتب السماوية وبالتالي بين الإسلام وأهل الكتاب : دروزة : عصر الرسول 1 / 335 - 344 .